مخيم الزعتري السري…رحلتي السرية

فيلم في آخر التدوينة

تحينت الفرصة كثيرا لأذهب الى مخيم الزعتري للاجئين السوريين في محافظة المفرق شمال العاصمة عمان نحو 90 كم، لكن لم أحصل على الفرصة المناسبة في أوقات مضت.

اليوم عزمت على الذهاب رغم التشديد الأمني المحيط به من قبل الشرطة الأردنية وقوات الدرك، حيث أنه من المستحيل دخول المخيم دون إذن رسمي من جهات أمنية عليا، إلا على السوريين الحاصلين على بطاقات أمنية ومكفولين من أردنيين، أو مكفولين من موظفي الأمم المتحدة فقط. المهم ذهبت أخيرا انا وصديق اردني الجنسية وآخر سوري الجنسية ممن يحملون الأوراق الثبوتية التي تخولهم دخول المخيم. لقد شارفنا على محافظة المفرق الممتدة وهي من أكبر محافظات المملكة مساحة بعد محافظة معان، صحراء شاسعة ممتدة لا نهائية، تجاوزنا المحافظة تجاه الجنوب الغربي على الطريق الصحراوي، حيث اختفت المباني، وبالصدفة كان الجو عاصف مغبر وكما نسميه هنا بالعامية (الطوز) وهي رياح شديدة محملة بالغبار التي تبقى معلقة في الجو بعناد شديد، فجأة بدأنا نرى الكثير من السيارات على الطريق المستوي بعد مسير استغرق حوالي الربع ساعة بسرعة 90 كم، كان الطريق معبد جزئيا واحيانا نرى بعض السيارات التي تسير على نفس مسربنا لكن بالإتجاه المعاكس.

جانب من البوابة الأولي لمخيم الزعتري

البوابة الأولي لمخيم الزعتري

وصلنا أخيرا الى الباب الرئيسي “الأول” للمخيم، ويجب عليك ان تترك سيارتك خارج هذا الباب إذ إن دخول السيارات ممنوع نهائيا.

ذهبنا الى الباب الأول، إقترب منا شرطي وطلب منا هوياتنا الشخصية فأظهرناها له، سألنا:” الى اين انتم ذاهبون؟” فأجبناه كما لقننا صديقنا السوري أحمد: “نحن ذاهبون مع صديقنا السوري كي نزور أهله في المخيم زيارة ودية” نظر إلينا الشرطي برهة ثم هز رأسه بإيمائة تشير الى دخولنا، عند إذ سألت أحمد:” يارجل أين التشديد الأمني؟! ها نحن ندخل بسهولة تامة”!

البوابة الثانية

…رد صديقي عامر:” يارجل ما زال هناك بوابة أخرى وهي المشكلة ومن المستحيل ان تمر” وافقه أحمد الراي، وأردفقائلا: سنحاول سنحاول.

يفصل بين البوابة الأولى والثانية قرابة الكيلومتر، ويجب عليك ان تسيرها سيرا على الأقدام، لكني تفاجأت بوجود ذاك الكم الهائل من السيارات بمختلف أنواعها ذاهبة وعائدة، وكأن دخولها مسموح تماما؛ لقد لفت نظري أيضا وجود البيكابات (سيارات النقل الصغيرة) بشكل كبير والتي يعرض عليك أصحابها التوصيل للبوابة الأخرى لقاء الدينار اي ما يعادل 70 سنت من الدولار الأمريكي، وعندما سألت صديقاي احمد وعامر عن الأمر أجاباني بأن هذه السيارات تحمل تصاريح تخولها دخول هذه المنطقة.

لفت نظري ايضا وجود الأطفال الذين يقودون شتى أنواع العربات اليدوية وعربات تجرها الحمير وكلها محملة بالبضائع المغلفة بشكل يوحي بأنها مهربة، ولفت نظري أيضا وجود عشرات المارة من النساء والرجال والأطفال والذين يحملون بأيديهم ايضا بضائع شتى، سواء ذاهبون للمخيم او قادمون منه، نجد الكثير من هؤلاء الأطفال يمرون عبر البوابة الثانية بعرباتهم مع تعرضهم لبعض الأسئلة من الشرطة او التفتيش، وبعضهم رأيناه يحيد عن الطريق قبل البوابة الثانية ليدخل بستان شاسع مزروع بأشجار الزيتون اليابسة كليا، ليقوم بدخول المخيم ببضاعته بشكل غير رسمي من فوق جبال الأتربة والخنادق العميقة بعمق المتر والنصف تقريبا والتي تحيط بالمخيم، بعضهم رأيناه يخرج بهذه الطريقة من المخيم وكان يحمل مرتبات (فرشات أسرة) جديدة ومغلفة بالبلاستيك لتهريبها خارج المخيم، شاهدنا الكثير من الكرفانات (غرف سكنية جاهزة متنقلة) المتواجدة خارج المخيم والذي أكد وقتها أحمد بأنها قد هُرّبت من المخيم وبيعت بمبالغ قد تصل 600 او 800 او 1000 دينار أردني تقريبا حسب حجمها او جودتها.

جانب من البوابة الثانية لمخيم الزعتري

البوابة الثانية لمخيم الزعتري

وصلنا الى البوابة الثانية بعد أن ركبنا أحد تلك البيكابات المهترئة، وكما قال لنا أحمد “سيروا دون أن تلتفتوا لأحد عبر البوابة” رغم أنه كان هناك ثلاث او اربعة افراد من الشرطة على البوابة وغرفة صغيرة بوسط البوابة تواجد داخلها ضابط وبعضا من أفراد الشرطة، لم تنجح خطتنا حيث نادانا شرطي وسألنا اسئلة متتالية: هيي، أنتم أين ذاهبون، من أنتم؟” وكان متعجبا، فقلنا له: هذا صديقنا السوري ونحن نعرف اهله في المخيم ونريد زيارتهم فقط” قطب الشرطي حاجبيه وقال بلهجة تعجب واستهزاء معا: شو ما بتعرفوا إنه ممنوع دخول الأردنيين نهائيا وتحت اي ظروف؟” دار نقاش بيننا وكان عقيما تماما حتى تحلق حولنا باقي افراد الشرطة وبدأوا بإقناعنا انها مسؤولية كبيرة عليهم فيما لو دخلنا الى المخيم وتعرضنا لمكروه ما، وفي النهاية طلبوا منا ان ندخل المكتب ونطلب من الضابط المسؤول ان يسمح لنا بالدخول وعندها سوف تخلو مسؤوليتهم تجاهنا، بالفعل دخلنا الى الضابط ولكن كان رفضه قاطعا حيث وقال لنا: اصلا في هذا اليوم بالذات لايمكن ان تدخلوا، لأنه يوجد هناك تشديد من نوع خاص”

الهروب إلى الزعتري

خرجنا خائبين وكنا مضطرين لدخول المخيم بشكل غير شرعي من خلال الهروب عبر بساتين الزيتون التي تحيط به.

ذهبنا باتجاه معاكس نوعا ما لمخيم الزعتري كي نموه الشرطة ونغيب ايضا عن أنظارهم بين اشجار الزيتون، لكنا اكتشفنا في النهاية ان الكثير غيرنا وخاصة من السوريين يقومون بنفس العمل لكن لتهريب بعض البضائع، لكنها بالفعل مخاطرة وصعبة حيث ان المخيم محاط بسور ترابي يعلو المترين تقريبا ومن بعده خندق بعمق المتر والنصف تقريبا بالإضافة الي دوريات الدرك الراجلة والمركوبة على طول الطريق المعبد المحاذي لهذا الخندق، لكننا في النهاية وجدنا منفذا ودخلنا المخيم، كانت الريح شديدة السرعة والتقينا الشاب السوري وكان يدعى عبدو وهو مقيم في المخيم ليأخذنا لوجهتنا هناك، مشينا مسافة طويلة كانت هناك كرفانات اكثر من الخيم وكان يحيط بأحياء الخيم والكرفانات الشوارع المعبدة وبعض إشارات المرور، مشينا كثيرا باتجاه الغرب كان الأمر مدهشا بامتياز لكبر حجم المخيم الصعب التصور، كان مترامي الأطراف لا يظهر امامك الا الأفق، أفق من الخيم والكرفانات، مررنا بالمستشفى المغربي والمستشفى السعودي والمنطقة العازلة التابعة للأمم المتحدة وشاهدنا بداخلها من خلف الأسوار الأسمنتية او الشبك المعدني الموظفين الأجانب والعرب، كانوا يرتدون لباسا موحدا في الغالب، مررنا بمفرزة الأحداث وأفسام الشرطة الموجودة هي أيضا داخل المنطقة العازلة، كان هناك كما يبدو مدرسة رسم على اسوارها الإسمنتية العالية بعض الشيء الرسومات الملونة، خرج من بعض ابوابها نساء يحملن اطفالهن.

الوجه الآخر للزعتري

في الزعتري حياة كاملة، قد تعتقد للحظة انه مُقام هنا منذ الأزل وان ساكنيه سيبقون هنا الى الأبد، مررنا بشتى انواع المتاجر مطاعم محلات للخضار والفواكه محال للبقالة محال للملابس حتى اننا مررنا بمحلات لفساتين العرائس والسهرة محلات للأقراص المدمجة ومحلات للكهربائيات بشتى انواعها ومحلات للكمبيوتر وكروت النقال وصالونات لقص الشعر وصالونات لتجميل السيدات والعرائس.

شوارع مخيم اللاجئين السوريين بالأردن

شوارع مخيم اللاجئين السوريين بالأردن

كان هناك شارع طويل جدا قد يكون بطول 5 كم و يضم هذه المحلات على الجانبين كسوق ضخم، حتى اننا دخلنا مطعما وتناولنا الدجاج المقلي مع البطاطس والكاتش أب والخبز الساخن وبثمن بخس للغاية، فالأسعار رخيصة للغاية ربما بنصف ثمن ما هو موجود خارج المخيم وكل شيء متوفر تقريبا للشراء.

بالرغم من الوُفرة والثمن البخس إلا ان العمل قليل فالناس هناك بحاجة للحصول على المال، الأمم المتحدة هناك تقدم الطعام من مؤن وخبز مجانا، فمثلا يحصل كل فرد هناك على أربع خبزات في اليوم كما أخبرنا عبدو، لكن هناك أمور وحاجيات أخرى قد يصعب الحصول عليها دون دفع المال وربما ان البضائع رخيصة لقلة الطلب رغم الحركة النشطة والهائلة داخل المخيم وخاصة في منطقة السوق المذكورة، أخبرنا عبدو ان النهار مخصص للرجال وانه ما ان تأتي فترة ما بعد المغرب حتى تكون النساء اكثر من الرجال ويتمشين داخل السوق ويتسوقن بشكل كثيف وهائل وتكون الحركة نشطة جدا، لكن أكد لي ان الأمن مستتب وان المشاكل ربما معدومة وخاصة ان كل منطقة في المخيم تضم حي كامل لنفس الأقارب او المعارف او اصحاب المنطقة الواحدة هناك بسوريا، أخبرنا ايضا ان الدرك او الشرطة الأردنية لايمكن ان يتواجدوا داخل المخيم نهارا بأمر من مدير المخيم، هم فقط على اطراف المخيم والبوابات او في المنطقة العازلة.

أنا مع أحمد وعبدو السوريين داخل المخيم

أنا مع أحمد وعبدو السوريين داخل المخيم

تجولنا كثيرا داخل المخيم ولكن ما ان يرانا سوري نقوم بالتصوير حتى يجن جنونه فيخبره الشاب عبده انني معه ومن اقربائة، أحد الأطفال ومعه رفقة هجم علينا بالحجارة الكبيرة وهددونا بأن نتوقف عن التصوير وإلا سيحطموننا مع الكاميرا، فقام صديقي عامر بإعطائهم نقود فتراجعوا وشكرونا ايضا، فاكتشفنا أنها حيلة للحصول على بعض النقود.

وصلنا أخيرا لأقرباء أحمد بعد مسير استمر زهاء الساعة، دخلنا البيت إن صح التعبير وكان عبارة عن كرفان، لكنا لم نكن نكاد نسمع بعضنا ونحن نتحدث داخله من شدة الصوت التي تحدثه الريح وهي تلاطم المعدن بالمعدن وتطاير الشوادر، ينامون في نفس المكان الذي جلسنا به، وهناك شيء لا يشبه شيء اخبرونا بأنه مطبخ، قاموا بصناعة القهوة لنا، كانت لذيذة، ثم أحضروا لنا المشروبات الغازية فيما بعد وكانت باردة ومنعشة، شاهدت غسالة في المكان وطباخ كبير وتليفزيون ومستقبل اقمار صناعية ( ستالايت ) لكن كانت الكهرباء مقطوعة كما أخبرونا، وقالوا لنا ان الأمم المتحدة تزودهم بأنابيب الغاز، قضينا وقتا ممتعا معهم لم يخل هذا الوقت الممتع من الغرابة ايضا، كانوا دمثي الأخلاق ومضيافين رغم الظروف الصعبة التي يحيونها.

أحد مطاعم مخيم الزعتري

داخل أحد مطاعم الزعتري للدجاج المقلي

هممنا عائدين لنخرج من المخيم، لكننا صدمنا بالكم الهائل من الدرك والشرطة المحيطين بكل مداخل المخيم وكان الخروج صعبا للغاية وكنا كلما ذهبنا لمكان كي نخرج منه تجاه حقل الزيتون نجد دورية درك تسير في المكان.

بساتين الخروج

بقينا نمشي لساعتين تقريبا نروح ونعود، من هنا وهناك حتى أتى شرطي على البوابه فتحدث معه احمد عن الأمر بصراحة واخبره اننا دخلنا المخيم بالتهريب ولكننا عاجزون عن الخروج، فقال ان هناك مشكلة كبيرة قد تحدث لكم، لكنه قال ايضا انه سيغض الطرف عن الموضوع وما علينا الا ان نجد ثغرة لنخرج منها، ونصحنا بأن لا ننظر خلفنا وان نغذي السير توغلا في بستان الزيتون، وبالفعل قمنا بعمل ذلك ونجحنا في الخروج اخيرا.

لقد كانت تجربة لايمكن نسيانها، دخلنا عالما غريبا شرسا مستكينا هادءا ساحرا، كان هناك أمة كاملة شردت قصرا ولكنها تحيا هناك وتعيش وتتزاوج وتحلم، لكن احدهم قال لنا بحرقة

هل سنتعود على هذا المخيم كما تعود الفلسطينيون من قبل؟

هل سننسى يوما أن لنا أرضا وكرامة تركناها خلفنا؟ هل بوجود المدارس والمراكز الصحية ونقاط الشرطة كمن يقول لنا أنتم لاجئوا القرن الواحد والعشرين بعد قرن من لجوء الفلسطينيون؟

Submit comment

Allowed HTML tags: <a href="http://google.com">google</a> <strong>bold</strong> <em>emphasized</em> <code>code</code> <blockquote>
quote
</blockquote>