طفل الرُّقبان

%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a3%d8%b7%d9%81%d8%a7%d9%84-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%ad%d8%af%d9%88%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%82%d8%a8%d8%a7%d9%86

إعتقدت كثيراً في الفترة السابقة أن المصائب التي تحل بالأمم توحدها، أو على الأقل تجعل من صنعة التعاطف بين أفرادها شيئاً شائعاً ومحبباً، وهو نوعاً من الهروب عن الواقع المرير، ونوعاً من الراحة النفسية المنشودة وسط الآلام.

الفقرة السابقة تعلمناها من التاريخ، والواقع الذي نعيشه اليوم كذلك، فالإفراط في الحزن، والإجرام، والإفراط بإحداث الألم الجماعي، والمصائب لشعوب كاملة، يجعل من كل الأمور التي عاناها الفرد على صعيده الشخصي أو العائلي، يجعل منها شيئاً بسيطاً وتافهاً إذا ما قارنها بما يحدث للأمة، وهنا يأتي التعاطف والتغاضي والتبسيط لكل الأمور الأخرى، حتى تتحول أحزانه الفردية ومعاناته كأنها لم تكن أصلاً، حتى نبدأ بتطبيق مبدأ الإمتثال للمجموعة بشكل عفوي.

لكن، ما تابعته مؤخراً على مواقع التواصل الإجتماعي حول قضية طفل الرقبان، ذاك الطفل الذي لم يتجاوز عمره 5 سنوات والذي ظهر على تويتر خلال فيديو وهو يبدو أنه يعاني من حالة صحية صعبة للغاية حيث كان يبكي لشدة الألم ويظهر أنه بحاجة إلى عناية صحية طارئة، ما تابعته كان صادما للغاية، في الحقيقة لم يصدمني حال الطفل المزرية، أو وضعه الذي ربما كلباً ضالاً هناك في أزقة تلك الدول الأكثر حظاً لم يكن بمثل حاله لو أهمل إهمالاً شديداً! ربما؟.

الذي صدمني هو بعد كل هذا الهراء والجنون الذي يحيط بنا كمجتمعات عربية، وخاصة هنا في الأردن، ما زلنا نجد تلك النفسيات المريضة، التي ونظراً لذاك المبدأ الذي أشرنا له في البداية، نفسيات وضعت أصحابها خارج سرب البشرية تماماً، حتى أسراب الحيوانات ربما لن تجد لهم مكانا بينها.

لكل مواطن الحق بالتعبير عن رأيه، فمنهم من حمل السلطات الأرنية المسؤولية كاملة في حال مات الطفل مثلا قبل أن توافق على إدخاله الأراضي الأرنية للعلاج، لكن أن نجد من ينادي بأن الأردن بات مزدحماً، وأن الأردن تحمل الكثير، وأن الأردن عانا في أتون اللجوء واللاجئين حتى يتسع لهذا الطفل، هذا ما يصدم.

لا يجب أن نسمح للتاريخ بتسجيل مواقف مماثلة من الشعب الأردني يوماً، حتى لو كانت قلة قليلة، عبّر عن رأيك دون أن تشعر الآخر بأن البلد ملكاً لأهلك وعشيرتك، نحن مستخلفون في الأرض، كان واجباً عليك قبلاً أن تعلق صوراً في ديوانيتك وفي منزل الضيوف للوزيرين سايكس وبيكو اللذان يبدو أنهما تسببا بفضلٍ كبيرٍ عليك وعلى أمثالك ممن لم يكتفيا بتلك الخطوط التي حفرت على الأرض وفرقت وشتت ومزقت حتى يؤكدا على حفرها هذه المرة في القلوب والصدور الصدئة العفنة غائرةً جداً.

نشر لي على موقع الجزيرة نت/مدونات

 

Submit comment

Allowed HTML tags: <a href="http://google.com">google</a> <strong>bold</strong> <em>emphasized</em> <code>code</code> <blockquote>
quote
</blockquote>