أخذت روحَها بدل روحِها

وسط الفوضى العارمة التي عمت المكان فجأة، ظلت هي تنتظره، هي وحدها، والناس يصرخون من خارج منزلها “يلّا يا إم نوار، يلاااااا، الحي كله راح ينهدم”.

ثمة من يحاول خلع باب منزلها وهي جالسةً هناك دون حراك، ودون أن تدمع لها عينٌ حتى.

أصبح المكان أكثر جنوناً، صوت أقدام مئات الناس في حيها يجرون، وصوت صراخهم، وتكبيرهم، وهناك أول الحي، كان صوت الجرافات وهي تأتي على البيوت المتهالكة بيتاً بيتاً، ثم صوت انفجاراً هائلاً جعلها تضع يديها على أذنيها دون شعور، ثم تعود إلى هدوئها وسكينتها ولا مبالاتها القاتلة.
كان ذلك في الشهور الأولي للثورة السورية المجنونة، حين اتخذت الحكومة قرار هدم حياً سكنياً عشوائياً، أصدر أولى شرارات ذاك الجنون! كان هذا كضغطاً يمارس على من خرجوا في المظاهرات وبدأوا بتأليب الناس وحثهم على الخروج.
في تلك الأثناء، كانت أم نوار قد فقدت لتوها زوجها مقتولا في سيارة التاكسي التي كان يعمل عليها برصاصة في رأسه لم يُعلم من هي الجهة التي أطلقتها، هل هي الحكومة أم الثوار؟ لا أحد يعلم، هذا بُعيد أن فقدت إبنها غزوان مقتولاً هو الآخر ضمن من قتلوا في صفوف الجيش.
لكنها جلست أم نوار هناك في منزلها تنتظر عودة نوار كما وعدها عندما خرج مع الثوار، عله يصل قبل أن تصل الجرافة، تَقَطّع قلب أم نوار بين الجيش الذي ضمَّ إبنها في تجنيد إجباري، وبين الثوار الذين سلبوا عقل نوار بهتافهم للحرية، لكنها غابت أم نوار وتلاشت وسط ضجيجٍ هائلٍ مرعبٍ وغبارٍ كثيفٍ قاتمٍ فوق رأسها تجهم.
مرت أيام وأيام منذ أن هُدِّم الحي، أكوام من الركام والدمار، لم يبقى هناك من الجيران والذكريات أحداً أو شىء، لماذا لم تُعرج الجرافة على منزلنا؟ تتساءل أم نوار، هل فعل ربي ذلك لأن نوار سيفي بوعده لي؟ تصرخ أم نوار، يااااااا ربي، يااااااا دلِّيييي، ياااااا حبيبي، تعال يا إمي، ولك يلا تعااااال أنا ما رحت ولا راح روح من هون لحتي تجي يا إمي.
دموعها تحرق خديها، وأنفاسها تخرج من أنفها ساخنة جداً، هي تعرف هذه الإشارات المخيفة، هي تَخبُرها جيداً، خطبٌ ما سىء قادم، بقايا الباب تُقرع من خارج، ياااااه منذ مئة عام لم يقرع بابي، ويا ليته لم يُقرع.
رجل بزي عسكري، ومن خلفه رجال مماثلين:

أنت أم نوار؟
نعم أنا
إبنك ربما قُتل ضمن صفوف المخربين والخون، هو الآن في ثلاجة المستشفى، نحتاجك للتعرف على جثته.
أم نوار تبكي بحرقة أشد وبدموع تغلي هذه المرة وتقول “إبني مو خاين ولا مجرم”.
العسكري: لم يعد من فائدة الآن، نحتاجك للتعرف إلى الجثة، وأمامنا الكثير لنقوم به.
هناك تحت الأرض، في قسم ثلاجات الموتى تُفتح الثلاجة الأولي أمام أم نوار، كان المنظر بشع للغاية بحيث وقعت أم نوار على الأرض دون أن تعلوها غشاوة، ويا ليتها علتها.
على دُرْج الثلاجة جثتان، جثة إبنها نوار وجثة أخرى، دموعها نهر كبريت جاري، وصدرها بركان ثائر.

يسأل العسكري: من منهم نوار؟ وقبل أن تجيبه لمحت يد الجثة الأخرى تتحرك بحركة خفيفة!.
ترفع رأسها أم نوار عالياً معتصرةً عيناها بدموعٍ تغلي إنحدرت على رقبتها حتى بلغت صدرها وهي تحدث نفسها دون صوت، آخ يا أم نوار آآآآخ، سامحني يا إمي سامحني، زميلك حيّ يا إمي وقلب أمه محروق مثل قلبي.
أشارت أم نوار بيدٍ ترتجف إلى الجثة الأخرى، هذا إبني، قالتها مع آهٍ لا تدري بالضبط من أين خرجت هذه الآه.
سألها العسكري: هل تريدين إستلامها، أم ندفنها نحن بعد تعريفها؟
لا لا، سأستلمها وسندفنها نحن.
يصرخ العسكري: سلموها الجثة يا شباب، ووقعوها عالإستلام والتعهد، وخليها تشيل هالزبالة من هون.
لم يكن في الحي أحدٌ حتى يسأل أم نوار دفن الجثة، والحثِّ على سرعة إعطائها حقها بهذا الدفن.

ضمدت جراحه بالماء وتفل الشاي مئةٍ من الأعوام كما أخبرته بالقصة كاملة، حين استيقظ من سباته وسألها أن تعرف عن حالها، ومكانه، وكيف وصل إلى هنا.

Submit comment

Allowed HTML tags: <a href="http://google.com">google</a> <strong>bold</strong> <em>emphasized</em> <code>code</code> <blockquote>
quote
</blockquote>