كنوز مصر الخفية

عدسة بشار طافش

خرجت من المنزل في الثانية فجرا قاصدا مطار الملكة علياء الدولي بعمان، حيث كانت طائرتي الى القاهرة ستقلع في الخامسة من صباح ذلك اليوم ومن القاهرة الى تونس ترانزيت، وحسب الحجز كنت سأبقى في القاهرة حوالي الساعة وربع الساعة.

صورة لمبنى قديم في القاهرة قريب من ميدان طلعت حرب

صورة لمبنى قديم في القاهرة قريب من ميدان طلعت حرب

مفاجأة غير متوقعة

لكن وأنا أغذي السير بحماسة على طريق المطار من عمان -الطريق الذي لطالما عشقت سحرهُ- وإذا بضباب كثيف حد حجب الرؤية تماما يداهمنا على حين غرة حتى أنني وصلت المطار بصعوبة بالغة، ليست هنا المشكلة حقيقة، المشكلة هي ان حركة الطيران في مطار الملكة علياء الدولي توقفت تماما في ذلك الصباح، لا طائرات تحط ولا طائرات تقلع، لقد تأخرت طائرتي ست ساعات بعين العدو، لم أرى بحياتي ضبابا عنيدا الى هذه الدرجة إذ أننا توقعنا ما إن تشرق الشمس حتى ينقشع هذا الضباب إلا أن ذلك استمر حتى الساعة الحادية عشرة تقريبا.

صورة جانبية لمبنى قديم في القاهرة بالقرب من ميدان طلعت حرب

صورة جانبية لمبنى قديم في القاهرة بالقرب من ميدان طلعت حرب

صدفة ولا أروع

قبل الضباب العنيد هذا كانت طائرتي الى تونس سوف تقلع في تمام الساعة الثامنة صباحا تقريبا من القاهرة، لكن وفي هذه الحالة تأجل خروجي من القاهرة اربعا وعشرين ساعة كاملة بعين العدو، وعلى إثر ذلك قامت شركة الطيران المصرية مشكورة والتي كان الحجز عليها بحجز ليلة ونهارا كاملا في فندق خمس نجوم بالقرب من مطار القاهرة الدولي، في الحقيقة هذا هو البروتوكول المتبع من قبل كل شركات الطيران المحترمة في ظروف مماثلة، لكن ما دندن على أوتار سعادتي هو قضائي لتلك الأربع وعشرين ساعة الكاملة والتي سوف استغلها أيما استغلال في استكشاف المدينة التي أعشق.

لم أدخر وقتا إلا وقضيته في شوارع القاهرة والذي زاد الأمر جمالا هو أنني التقيت صديقا لي بالصدفة وعلى نفس الرحلة يعمل في مجال البنوك وهو أيضا كان متجها الى تونس، لقد كان انتحاريا كمثلي أي لا يَكِنُ له بالا ولا يستريح وهذا أنا، ما إن أنزل الى مدينة غريبة حتى أضع النوم والطعام والراحة على الرف وأهيم على وجهي، لقد تنفخت اقدامنا ولم نترك أي نوع من المواصلات في ذات الوقت، ذهبنا الى كل الميادين والتقطنا الصور عند كل التماثيل لم نترك شارعا ولا محل عصير ولا مقهى من تلك المقاهي الشعبية البحتة الى تلك المقاهي الشعبية العريقة الى المقاهي الحديثة، كل أنواع المحال من الملابس الى الأطعمة الى الأزقة الضيقة الى البنايات الفرنسية الطراز الساحرة والتي تميز القاهرة عن باقي المدن، مدينة عريقة موغلة في العراقة والقدم الجميل الساحر الأخاذ، كل زاوية بها تخطف بصرك خطفا وتأخذه أخذا حتى لكأنك تنزع بصرك عنها نزعا لتجول به الى زاوية أخرى.

عمدت الى التحدث مع القاهريين، من سائق التاكسي الى سائق الميكرو الى بائع العصير الى البائع على البسطة في العتبة الى بائع الملابس في المحال الفخمة وعامل القهوة وسائق الحنطور وسائق العربة، لم يتغير المصري كثيرا إلا أن همومه وأحزانه زادت قليلا لا وبل أخذت جزءا ليس بيسيرا من فكاهته وروحة الحلوة المرحة والتي تعودنا عليها في أفلامهم ومسلسلاتهم التي شكلت جزءا كبيرا من شخصية المواطن العربي على امتداد الأوطان، لا أخفي عنكم حزني الشديد إذ أنني لمست بأن معظم القاهريين روحهم في مناخرهم أو كما قال لي أحدهم وأنا أحثه على الفكاهة، لا ألومكم أيها الشعب العظيم نعم لا ألومكم وكلي دعاء وتضرع الى العلي القدير بأن يفك أزمتكم ومحنتكم وأن يعبر بكم الى بر الأمان ونحن من خلفكم، نعم فانت مصر العروبة أم الدنيا وأم العروبة.

مبنى قديم من وسط البلد في القاهرة

مبنى قديم من وسط البلد في القاهرة

كنوز مصر الخفية-والسؤال الغائب الحاضر-

أتعلمون شيئا أيها الأصدقاء؟ لقد زرت تركيا…ولو سألنا سؤالا…من الأجمل تركيا أم مصر؟ لأجاب المعظم بأن تركيا الأجمل! لكن أنا أقول وبملء فمي مصرُ أجمل، في الحقيقة لم أجد فرقا، لكن السؤال الغائب الحاضر…لماذا تستقبل تركيا (18,000,000) ثمانية عشر مليون سائح سنويا وهم في ازدياد، بينما مصر الأعرق والأقدم والأضخم ليست على شاكلتها، تستحوذ مصر حاليا على ثلث الموروث العالمي من الآثار والكل يعلم ذلك، لكن في الحقيقة هناك أمر هام وبسيط في ذات الوقت، السائح الأوروبي لا يأتي الى الشرق او تركيا لأجل البحار والأنهر والغابات والطبيعة، هذه طبيعة أوروبا أصلا وأمريكا كذلك، السائع يأتي ليرى العراقة قبل الآثار، العراقة تتمثل في الحياة اليومية لشعب موغل في القدم والعراقة كالشعب المصري تماما، يأتي السائح ليرى طريقة عيشه وعاداته ومبانيه، يأتي ليرى من هم أحفاد قدماء المصريين التي أبهرت أثارهم وما زالت تبهر العالم.

لم أنظر الى الشارع أو تحت أقدامي كثيرا لشدة تعلق نظري بتلك المباني الفرنسية الطراز والتي أطلقت عليها (كنوز مصر الخفية) كنوز مهملة مركونة على الرف مغبرة متسخة يتآكلها الزمن والهموم معا، مباني ليس لها عد ولا إحصاء هي قلب القاهرة ووسط البلد والتي لو صينت ووثقت في وزارة الآثار ككنوز أثرية لايمكن المساس بها او تغيير معالمها ورصد لها الميزانيات لصيانتها وتلميعها وجعلها منارة القاهرة الأولى ومنارة مصر الثانية لجلبت ملايين السياح الذين يتوقون للعراقة والتاريخ، هم ذات السياح الذين يقصدون اسطنبول وروما والقدس وفاليتا وباريس وأمستردام ولندن سيقصدون القاهرة قاهرة قدماء المصريين.

لماذا هذا الإهمال؟! شيء يُدمي القلب بحق…نعم هناك أحياء ومدن فخمة لكن هذه تروق لرجال الأعمال صراحة وهي مطلب العصرنة والتطور، لكن هناك أمور تهم السائح وهو كالمستثمر تماما، قد يفوق من يزورون من السواح وسط البلد في القاهرة -لو لم تهمل- أولئك الذين يزورون الأهرامات وأبو الهول بمئات بل آلآف المرات، يجب أن يكون هناك جمعيات تُعنى بالحفاظ على هذا الإرث العمراني النادر والثمين والفائق الجمال حتى ولو كانت هذه الجمعيات أهلية، جل الذين قابلناهم بدوا لنا وكأنهم يعملون في السياسة لا بل معنيين تماما بكل تحليل من هنا وهناك، دعكم من السياسة لأهل السياسة، السياسيون يذهبون ويأتي غيرهم وكذلك السياسات، أما ألاثار بوسط البلد وتلك المباني الحزينة من لها؟هي أمور بسيطة قد تغير حتى السياسات.

أرجوكم أيها المصريون دعوني وكل من أحب هذه المدينة العريقة الرائعة نتمتع ما حيينا بعراقتها وجمالها وعظمتها وأبنائنا وأحفادنا، أرجوكم حافظوا عليها أرجوكم.

 

 

5 comments on “كنوز مصر الخفية

  1. شكرا بشرى عطالله شهادة نعتز بها
    وشكرا للأستاذ الرائع صاحب الصدفة الأروع في حياتي الأستاذ محمد الإمام ابو صدقي

  2. Mohammed Imam

    رائع يا استاذ بشار فعﻻ كنت نعم الصديق والرفيق في السفر

  3. فدوى حسين

    كلامك صحيح واضم صوتي لصوتك لكن هل من يسمع؟ ؟ ؟ ؟
    لا لا لا أتوقع

    • بشار طافش

      ربما فدوى من لا يسمع في الوقت الحالي… لكن لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس… وإلا رأيك أنها مقولة ميتافيزيقية؟

Submit reply to فدوى حسين Cancel reply

Allowed HTML tags: <a href="http://google.com">google</a> <strong>bold</strong> <em>emphasized</em> <code>code</code> <blockquote>
quote
</blockquote>